ابن خلدون
287
تاريخ ابن خلدون
لذلك سائر البدو من الاعراب الذين في طاعته من بنى سليم ورياح بظعنهم فاهبطوا الحامية ونهض سنة تسع وثلاثين في عسكر ضخم وجيوش وافرة وسرح امام حركته عبد القوى بن العباس وأولاد منديل بن محمد لحشد من وافى بأوطانهم وذوبان قبائلهم وأحياء زغبة أحلافهم والعرب وضرب لهم موعدا لموافاتهم في تخوم بلادهم ولما نزل صحراء زامز قبلة تيطخ منتهى مجالات رياح وبنى سليم بالمغرب تثاقل العرب عن الرحلة بظعنهم في ركاب السلطان وتلووا بالمعاذير فالطف الأمير أبو زكريا الحيلة في استنهاضهم وتنبيه عزائمهم وارتحلوا معه حتى نازل تلمسان بجميع عساكر الموحدين بساحة البلد وبرز يغمراسن وجموعه للقاء بصحبتهم ناشبة السلطان بالنبل فانكشفوا ولاذوا بالجدران وعجزوا عن حماية الأسوار فاستمكنت المقاتلة من الصعود ورأى يغمراسن ان قد أحيط بالبلد فقصد باب العقبة من أبواب تلمسان ملتفا في ذويه وخاصته واعترضته عساكر الموحدين فصمم نحوهم وجدل بعض أبطالهم فأفرجوا له ولحق بالصحراء وتسللت الجيوش إلى البلد من كل حرف فاقتحموه وعاثوا فيه بقتل النساء والصبيان واكتساح الأموال ولما تجلى غشى تلك الهيعة وحسر مثار الصدمة وخمدت نار الحرب راجع الموحدون بصائرهم وأمعن الأمير أبو زكريا نظره فيمن يقلده أمر تلمسان والمغرب الأوسط وينزله بثغرها لإقامة دعوة الدائلة من دعوة بنى عبد المؤمن والمدافعة عنها واستكبر ذلك أشرافهم وتدافعوه وتشرد له امراء زناتة ضعفا عن مقاومة يغمراسن وعلما بأنه الفحل الذي لا يقرع انفه ولا يطرق غيله ولا يصد عن فريسته وسرح يغمراسن الغارة في نواحي المعسكر واختطفوا الناس من حوله واطلعوا من المراقب عليه ثم بعث وفده متطارحين على السلطان في الملائمة والاتفاق واتصال اليد على صاحب مراكش طالبا الوتر في تلمسان وإفريقية وأن يفرده بالدعوة المحمدية فأجابه إلى ذلك ووفدت أمه سوط النساء للاشتراط والقبول فأكرم موصلها وأسنى جائزتها وأحسن وفادتها ومنقلبها وسوغ ليغمراسن في شرطه بعض الاعمال بإفريقية وأطلق أيدي عماله على جبايته وارتحل إلى حضرته لسبع عشرة ليلة من نزوله وفى أثناء طريقه وسوس إليه الموحدون باشتداد يغمراسن عليه وأشاروا بإقامة منافسيه من زناتة وامراء المغرب الأوسط شجا في صدره ومعترضا عن مرامه وألبسهم ما لبس من شارة السلطان وزيه فأجابهم وقلد كلا من عبد القوى ابن عطية التوجيني والعباس بن منديل المغراوي ومنصور الملكيشى أمر قومه ووطنه وعهد إليهم في ذلك وأذن لهم في اتخاذ الآلة والمراسم السلطانية على سنن يغمراسن قريعهم فاتخذوها بحضرته وبمشهد ملا من الموحدين وأقاموا مراسمها ببابه